أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

452

قهوة الإنشاء

يا لهف قلبي على وادي دمشق ويا * حزني عليه ويا شجوي ويا دائي في شهر كانون وافاه الحريق لقد * أحرقت بالنار يا كانون أحشائي ونظرت بعد ذلك إلى القلعة المحروسة وقد قامت قيامة حربها حتى قلنا : أَزِفَتِ الْآزِفَةُ « 1 » ، وستّروا بروجها من الطارق بتلك الستائر وهم يتلون : لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ « 1 » ، استجليت عروس الطارمة عند زفتها وقد تجهزت للحرب وما لها غير الأرواح مهر ، وأقعدت على رأسها تلك العصائب وتوشّحت بتلك الطوارق ، وأدارت على معصمها الأبيض سوار النهر ، وغازلت بحواجب قسيّها فرمت القلوب من عيون مراميها بالنبال ، وأهدت إلى العيون من مكاحل نارها أكحالا كانت السهام لها أميال ، وطلبها كل من المحاصرين « 2 » وقد غلا دست الحرب وسمح وهو على فرسه بنفسه الغالية ، * وراموا كشفها وهم في رقعة الأرض كأنهم لم يعلموا بأن الطارمة عاليه * « 3 » . وتاللّه لقد حرست بقوم لم يتدرّعوا بغير آية الحرس في الأسحار ، وقد استيقظوا لحمل قسيّهم ولم تنم أعينهم عن الأوتار ، فأعيذ رواسيها التي هي كالجبال الشامخة بمن أسس رواسي المحجوج « 4 » ، وأحصنها قلعة بالسماء ذات البروج . وتطاولت إلى السور المشرف وقد فضل في علم الحرب وحفظ أبوابه المقفلات ، فما وقفنا له على باب إلا وجدناه لم يترك خلفه لصاحب المفتاح تلخيصا لما أبداه من المشكلات ، وما أحقه من قول القائل : [ من الطويل ] فضائله سور على المجد حائط * وبالعلم هذا السور أضحى مشرّفا وكم حملوا عليه وظنوا في طريق حملتهم نصره ، ونصبوا دست الحرب ولم يعلموا بأنه قد طبخ لهم على كل باب قدره . فلا وأبيك لو نظرته يوم الحرب وقد تصاعدت فيه أنفاس الرجال لقلت : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ « 5 » . وإلى المحاصرين وقد جاءوا راجلا وفارسا ليشهدوا القتال لقلت : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ « 6 » ، وإلى كواكب الأسنة وقد انتثرت ، وإلى قبور الشهداء وهي تحت أرجل الخيل وقد بعثرت ، وإلى كرّ

--> ( 1 ) سورة النجم 53 / 57 - 58 . ( 2 ) المحاصرين : ق ، تو ، ها ، قا : الحاضرين . ( 3 ) ما بين النجمتين ساقط من تو ، قا . ( 4 ) رواسي المحجوج : ق : وأسى المجنوح . ( 5 ) سورة ق 50 / 20 . ( 6 ) سورة ق 50 / 21 .